صور من حياة الصحابة 9

* هذه مدينَةُ رَسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم ما تَزالُ تُكَفِكفُ أَحزَانَها ( تهدئ أحزانها وتمنعها من الاسترسال ) على فَقدِ الصِّدّيق…
وها هي ذي وُفُودُ الأَمصارِ تَقدَمُ كُلَّ يومٍ على المدينة مُبايعةً خَليفتَه عُمَرَ بنَ الخَطابِ على السَّمعِ والطاعةِ في المنشطِ والمَكرَه ( في العسر واليسر ) وفي ذات صباح قدم على أمير المؤمنين وفد البحرين مع طائفة أخرى من الوفود.
وكانَ الفاروقُ رِضوانُ اللهِ عليه شَديدَ الحِرصِ على أَن يَسمَعَ كلامَ الوافدين عليه؛ لَعَلَّه يَجِدُ فيما يقولونه مَوعِظةً بالِغَةً، أو فِكرَة نافِعةً، أو نصيحةً للهِ ولِكتابِهِ ولِعامةِ المسلمين.
فَنَدبَ عَدداً من الحاضرين لِلكَلام فَلَم يقولوا شَيئاً ذا بالٍ.
فالتَفَتَ إلى رَجُلٍ تَوَسم فيه الخيرَ، وأَوما إليهِ وقالَ: هاتِ ما عِندكَ.
فَحَمِدَ الرَّجُلُ اللهَ وأثنى عليهِ ثم قال: إنكَ يا أميرَ المُؤمِنينَ ما ولِّيتَ أمرَ هذه الأمةِ إلا ابتِلاءً مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ابتلاكَ به.
فاتِّقِ الله فيما وُليتَ، واعلَم أنَّهُ لَو ضَلت شاةٌ بِشاطِئِ الفُراتِ لَسئِلتَ عَنها يَومَ القِيامَةِ.
فَأجهَشَ ( بكى بصوت عالٍ ) عُمَرُ بالبُكاءِ وقال: ما صدقني أحَدٌ مُنذُ استُخلِفتُ كما صدقتني، فمن أنتَ؟!
فقال: الرَّبيعُ بنُ زيادٍ الحارِثيُّ.
فقال: أخو المُهاجِرِ بنِ زيادٍ؟
فقال: نعم.
فلما انفَضَّ المَجلِسُ دَعَا عُمَرُ بنُ الخطّابِ أَبَا مُوسى الأَشعَرِيَّ وقال: تَحَرَّ أمر الرَّبيعِ بنِ زيادٍ، فإن يَكُ صادِقاً فإنَّ فيه خَيراً كثيراً وعَوناً لنا على هذا الأمرِ.
واستَعمِلهُ واكْتُبْ لي بِخَبَرِه.* * *
لَم يَمضِ على ذلك اليومِ غَيرُ قليلٍ حتى أعدَّ أبو مُوسى الأشعرِيُّ جَيشاً لِفتحِ ” مناذر ” مِن أَرضِ الأهوَازِ بِناءً على أمرِ الخَليفةِ، وجَعَلَ في الجيشِ الربيعَ بنَ زيادٍ وأخاهُ المهاجِرَ.

* * *
- حاصَر أبو موسى الأشعريُّ ” مناذر ” وخَاضَ مَعَ أهلِهَا مَعَارِكَ طاحِنَةً قَلَما شَهِدَت لها الحُرُوبُ نَظِيراً.
فقد أبدَى المُشرِكونَ مِن شِدَّةِ البأسِ وقُوَّةِ الشَّكِيمةِ ( شدة الصبر وقوة الجَلَد ) ما لَم يَخطُر على بالٍ، وكَثُرَ القَتلُ في المسلمين كَثرَةً فاقَت كُلَّ تَقديرٍ.
فلما رأى ” المُهاجِرُ ” أخو الرَّبيعِ بنِ زياد أَنَّ القَتلَ قَد كَثُرَ في صُفوفِ المُسلِمينَ عَزَمَ على أن يبيع نَفسَهُ ابتِغاءَ مَرضَاةِ الله، فَتَحَنَّطَ ( وضع نفسه على الحنوط: وهو نوع من الطيب يذر على جسد الميت ) وتكفّنَ وَأَوصَى أخاه…
فَمَضَى الرَّبيعُ إلى أبي مُوسى وقال: إنَّ المُهاجِر قَد أَزمَعَ أن يَبيع نَفسَهُ وهُوَ صائِمٌ، والمُسلِمُونَ قَدِ اجتَمَعَ عَلَيهِم مِن وَطأَةِ الحَربِ وشِدَّةِ الصَّومِ ما أوهَنَ عَزَائِمهُمُ، وَهُم يَأبَونَ الإفطَارَ فَافعَل ما تَرَى.
فَوَقَفَ أبو موسى الأشعَريُّ، ونَادى الجَيشِ: يا مَعشَرَ المسلمين، عَزَمتُ ( أقسمت ) على كُلَّ صائِمٍ أن يُفطِر أو يَكُفَّ عَنِ القِتالِ، وشَرِبَ من إبريقٍ كان معهُ لِيَشربَ النَّاسُ بِشُربِهِ.
فَلَما سَمِعَ المُهاجِرُ مَقالَتَهُ جَرَعَ جُرعَةً من الماءِ وقال: والله ما شَرِبتُها من عَطَشٍ ولكنني أَبَررتُ عَزمَةَ أَمِيرِي ( أمضيت قسم أميري ونفذته )…
ثُمَّ امتَشَقَ حُسامَهُ وَطَفِقَ يَشُقُّ به الصفُوف، ويُجندِلُ الرِّجالَ غَيرَ وَجلٍ ولا هَيابٍ.
فَلما أَوغَلَ في جيشِ الأعدَاءِ أَطبقوا عَلَيهِ مِن كُلِّ جانِبٍ، وَتَعَاوَرَتهُ ( تداولته ) سُيُوفُهُم من أمامِه ومن خَلفِه حَتى خَرَّ صريعاً…
ثم إنَّهم احتَزُّوا رَأسَهُ ونُصبوهُ على شُرفَةٍ مُطِلَّةٍ على ساحةِ القِتالِ.
فَنظَرَ إليهِ الرَّبيعُ، وقال طُوبَى ( السعادة والغبطة والعيش الطيب ) لك وَحُسنُ مآب…
واللهُ لأَنتقِمَنَّ لك ولِقَتلى المُسلمينَ إن شَاءَ اللهُ.
فَلما رَأى أبو موسى ما نَزل بالربيعِ منَ الجَزَعِ على أخيهِ، وأَدركَ ما ثَارَ مِنَ الحَفِيظَةِ في صَدرِهِ على أعدَاءِ اللهِ، تَخَلَّى لَهُ عن قِيادَةِ الجيشِ، ومَضَى إلى ” السُّوسِ ” لفتحِها.

* * *
- هَبَّ الرَّبيعُ وجُندُه على المُشركينَ هُبُوبَ الإعصارِ وانْصبُّوا على مَعَاقلهِمُ انصِبابَ الصُّخورِ إذا حطَّها السَّيلُ ؛ فمزَّقُوا صُفوفهُم وأَوهنُوا بَأسَهم ( أضعفوا قوتهم وضعضعوها ) فَفَتحَ الله ” مَنَاذِرَ ” للرَّبيعِ بنِ زيادٍ عَنوَةٍ… فَقَتلَ المُقاتلةَ، وسَبَى الذُّرِّيةَ، وغَنِمَ ما شاءَ اللهُ أن يَغنمَ.

* * *
- لمعَ نجمُ الربيعِ بن زيادٍ بعد معركةِ ” مناذرَ ” وذاع اسُمه على كلِّ لسان.
وأصبح أحدَ القادةِ المَرموقين ( الذين يرمقهم الناس بعيونهم إعجاباً لهم ) الذين يُرجَّون لجلائِلِ الأعمال…
فلما عزَمَ المسلمون على فتحِ ” سِجِستَانَ ” عهدوا إليه بقيادةِ الجيش وأمَّلوا على يديه النَّصر.

* * *
- مَضى الرَّبيعُ بن زيادٍ بِجيشهِ الغازِي في سبيلِ الله إلى سِجِستانَ عَبرَ مَفازَةٍ طُولُها خَمسَةٌ وسَبعُونَ فَرسَخاً، تَعيا ( تعجز ) عَن قطعِها الوحوشُ الكاسِرةُ من بناتِ الصَّحراءِ.
فكان أوَّل ما عَرضَ لهُ ” رُستاقُ زالِقَ ” ( مدينة كبيرة حصينة في سجستان ) على حُدُود سجستان وهو رُستاقٌ عامرٌ بالقُصورِ الفخمةِ مَحوطٌ بالحُصونِ الشامخةِ وافرُ الخيراتِ كثيرُ الثِّمارِ.

* * *
- بثَّ القائدُ الأرِيبُ ( الذكي النبيه ) عُيُونَهُ في ” رستاق زالق ” قَبل أن يَصِلَ إليه…
فَعلِم أنَّ القومَ سيحتفلونَ قريباً بمِهرجانٍ لهم، فتربَّصَ ( انتظرهم ) بِهم حتى بَغَتَهُمْ ( نزل عليهم ) في ليلةِ المِهرجانِ على حِينِ غِرَّة ( على غفلة وهم لا يشعرون ) وأعمَلَ في رقابِهمُ السَّيفَ وأخذَهَم عنوةً.
فَسبَى ( أسرهم واسترقهم ) مِنهم عشرين ألفاً، ووقَعَ دُهقَانُهُم ( كلمة فارسية معناها رئيس الإقليم ) في يَدِهِ أسِيراً…
وكان بينَ السَّبيِ مملوكٌ للدُّهقان، فوجدَوهُ قد جَمعَ ثلاثَمائةِ ألفٍ ليَحمِلها إلى سَيدهِ.
فقال له الربيع: مِن أينَ هذهِ الأموالُ؟ !
فقال: مِن إحدَى قُرى مَولاي.
فقال له: وهَل تُعطيهِ قريةٌ واحدةٌ مِثل هذا المَالِ كلَّ سَنةٍ؟!.
قال : نعم.
فقال : وكيف؟!!!
قال : بفُؤُوسِنَا، ومَنَاجِلنَا، وعَرقِنَا.

* * *
- ولمَّا وضَعتِ المَعركةُ أَوزَارهَا ( انتهت ) تَقدَّمَ الدُّهْقانُ إلى الرَّبيع يعرِضُ عَليهِ افتِداءَ نَفسِهِ وأهلهِ…
فقال له: أفديَكَ إذا أجزَلتَ لِلمسلِمينَ الفِدية.
فقال: وكمْ تَبغِي.
فقال: أَرْكُزُ ( أثبته في الأرض ) هذا الرُّمحَ في الأرضِ ثُم تَصبُّ عليهِ الذهَبَ والفضَّةَ حتى تَغمُره غَمراً.
فقال: رَضيتُ، واستخرَج ما في كُنُوزهِ من الأصْفرِ و الأبيَضِ وطَفِقَ يَصُبها على الرُّمحِ حتى غَطاه…

* * *
- تَوغَّلَ الربيعُ بن زيادٍ بجيشهِ المُنتصرِ في أرضِ سجستَانَ، فَطفَقت تَتَساقطُ الحُصونُ تحتَ سَنَابِكِ ( حوافر ) خَيلهِ كما تَتَساقطُ أوراقُ الشَّجرِ تحتَ عصفِ رياحِ الخريفِ.
وهبَّ أهلُ المُدُن والقُرى يستقِبلونَهُ مُستَأمِنِينَ ( طالبين الأمان ) خاضِعِينَ قبلَ أن يُشهرَ في وجُوههمُ السَّيفَ حتى بَلغَ مدينة ” زَرَنجَ ” عاصمة سجستان.
فإذا بِالعدو قد أَعَدَّ لِحربهِ العُدَّةَ، وَكَتبَ ( أعد قطع الجيش ونظمها ونسقها ) لِلقائهِ الكتائِبَ، واستَقدمَ لمُواجهتِهِ النَّجداتِ، وعَقد العَزمَ على أن يَذُودَهُ ( يدفعه ) عن المدينة الكبيرةِ، وأن يوقف زَحفَه على سِجِستانَ مهما كان الثمن غالياً.
ثم دارتْ بينَ الربيع وأعدائِهِ رحَى حربٍ طحونٍ ( حرب شديدة تطحن المحاربين طحناً ) لم يَضِنَّ عليها أيِّ من الفريقين بما تَطلبته من الضحايا.

فلما بَدرَت أولُ بادِرةٍ من بوادِرِ النصرِ للمسلمين رأى مرزبان ( رئيس القوم وهي كلمة فارسية ) القومِ المدُعو (بَرويز) أن يسعَى لمصالحةِ الربيع، وهو ما تزال فيه بَقيَّةٌ من قُوةٍ، لعلَّه يحظى لنفسِه ولقومه بشروطٍ أفضلَ….
فبعث إلى الربيع بن زيادٍ رسولاً من عنِده يسأله أن يَضربَ له موعداً للقائه؛ ليفاوضَه على الصُّلحِ فأجابه إلى طلبِه.

* * *
- أمَرَ الربيع رجالَه أن يُعدُّوا المكانَ لاستقبالِ ” برويزُ ” وطلب منهم أن يكدِّسوا حَولَ المجلسِ أكوِاماً من جُثثِ قتلى الفُرسِ…
وأن يطرَحوا على جانبي الطريق الذي سيمر به ” برويز ” جُثثاً أُخرى منثورةً في غيرِ نظامٍ.
وكان الربيعُ طَويلَ القامةِ، عظيمَ الهامةِ، شديدَ السُّمرةِ، ضخمِ الجُثَّةِ، يبعثُ الروع في نفسِ من يرَاهُ.
فَلمَّا دَخلَ عليه ” برويز ” ارتَعدتْ فرائِصُهُ جَزعَاً منهُ وانخَلعَ فُؤادُهُ هَلعاً من مَنظر القَتلى فَلم يَجرُؤ على الدُّنوِّ وخافَ فلم يَتقدم لمُصافحتِهِ…
وكلمَهُ بلِسانٍ مُتلجِلجٍ مُلتاثٍ، وصَالحَهُ على أن يُقدمَ لهُ ألفَ وَصيفٍ ( الغلام ) وعلى رأسِ كُلِّ وصيفٍ جامٌ ( كأس ) من الذهب، فَقَبلَ الربيعُ وصَالحَ ” برويز ” على ذلك.
وفي اليومِ التالي دخلَ الربيعُ بن زيادٍ المدينَةَ يَحُفُّ بهِ هذا الموكبُ من الوُصفَاءِ بين تَهليلِ المسلمين وتكبيِرهم …
فكان يوماً مَشهوداً من أيَّام الله.

* * *
- ظلَّ الربيعُ بنُ زيادٍ سيفاً مُصلتاً في يدِ المسلمينَ يَصُولون به على أعداءِ الله ؛ ففَتحَ لهُمُ المُدُنَ، وولي لهم الوِلايَاتِ حتى آل الأمرُ إلى بني أُميةَ فَوَلاهُ معاويةُ ابنُ أبي سُفيان خراسَانَ….
بيد أنَّه لم يكن مُنشَرح الصدرِ لهذه الولاية….
وقد زادَه انقِباضاً منها وكُرهاً لها أنَّ زياد ابن أبيه أحَدَ كبارِ وُلاة بني أمية بعث إليه كتاباً فيه: “إن أميرَ المؤمنين معاويةَ بنَ أبي سفيان يأمرك أن تَستَبقِيَ الأصفَرَ والأبيضَ ( كناية عن الذهب والفضة ) من غنائمِ الحرب لبيتِ مالِ المسلمين، وتقسم ما سِوى ذلك بين المجاهدين…”
فكتب إليه يقول: ” ني وَجدتُ كتابَ الله عَزَّ وجلَّ يَأمُرُ بغير ما أمرتني على لسان أمير المؤمنين “.
ثم نادى في النَّاسِ: أن اغدوا على غنائِمِكم فخذوها…
ثم أرسلَ الخُمُسَ ( القرآن الكريم يجعل خمس غنائم الحرب لبيت مال المسلمين والأخماس الأربعة الباقية تقسم على المقاتلين ) إلى دارِ الخلافةِ في دمشق…

* * *
- ولما كان يومُ الجمعةِ الذي تلا وصولَ هذا الكتابِ خرجَ الربيعُ بنُ زيادٍ إلى الصلاة في ثيابٍ بيضٍ، وخَطبَ النَّاسَ خطبةَ الجمعةِ، ثم قال: أيُّها الناسُ إني قد مَلِلتُ الحياةَ، وإني داعٍ بدعوةٍ، فأمِّنوا على دعائي.
ثُم قال: اللًّهُمَّ إن كُنتَ تريدُ بي خيراً فاقبِضني إلَيكَ عاجِلاً غير آجلٍ…
فأمَّنَ النَّاسُ على دُعائِهِ…
فلم تغِب شمسُ ذلك اليومِ حتى لحق الربيعُ بنُ زيادٍ بجوار رَبَّه.

********************************************************

*هَبتْ قُريشٌ ذاتَ صَباحٍ وجلة مذعورة. فقد سرى في أنديتها أن محمدا قد بارح مكة مستتراً بجُنح الظلامِ؛ فلم يُصدق زعماءُ قريشٍ النبأ…
واندفعُوا يبحثونَ عن النبيِّ في كلِّ دارٍ من دور بني هاشم….
وينشدونَه في كل بيتٍ من بيوتِ أصحابهِ، حتى أتوا منزلَ أبي بكرٍ، فخرَجتْ إليهم ابنتهُ أسماءُ.
فقال لها أبو جهلٍ: أين أبوك يا بنتُ؟
فقالت: لا أدري أينَ هو الآن.
فَرفعَ يدهُ ولطمَ خدّها لطمة أهوَت بقرطِها ( أسقطت حلقها وجعلتها تهوي هويا ) على الأرض.

* * *
- جُن جُنونُ زعماءِ قريشٍ حين أيقنوا أن محمدً غادرَ مكة، وجَندوا كل من لديهِم من قفاة ( متتبعو الأثر ) الأثرِ لتحديدِ الطريقِ الذي سلكهُ، ومَضوا معهم يبحثونَ عنه.
فلما بَلغوا غار ثورٍ قال لهم قفاةُ الأثرِ: والله ما جاوزَ صاحبُكم هذا الغارَ.
ولم يكنْ هؤلاءِ مخطئينَ فيما قالوه لقريشٍ، فقد كان مُحمدٌ وصاحبُه في داخلِ الغارِ، وكانت قريش تقفُ فوق رأسيهما، حتى إنَّ الصِّديقَ رأى أقدامَ القوم تتحرك فوق الغارِ؛ فدمعت عيناه.
فنظرَ إليه الرسولُ نظرةَ حُبٍ ورفقٍ وعتابٍ.
فهمسَ الصديقُ قائلاً: والله ما على نفسي أبكي..
ولكن مَخافة أن أرى فيك مكروهاً يا رسول الله.
فقال له الرسولُ الكريمُ مطمئناً: ( لا تحزن يا أبا بكرٍ، فإن الله مَعنا ).
فأنزل الله السكينة على قلبِ الصّدّيقِ، وراح ينظرُ إلى أقدامِ القوم. ثم قال: يا رسولَ الله، لو أنَّ أحَدهُم نَظر إلى مَوطئ قدميه لرآنا.
فقال له الرسول: ( ما ظنُّك يا أبا بكرٍ باثنين، الله ثالثهُما؟!! )
وهنا سمعنا فتىً من قريشٍ يقول لِلقومِ: هَلمّوا ( تعالوا ) إلى الغارِ نَنظر فيه.

* * *
- فقال له أمية بنُ خلفٍ ساخراً: ألم ترَ إلى هذا العنكبُوت الذي عَششَ على بابِه؟!!.
والله إنه أقدم من ميلادِ محمدٍ…
غير أن أبا جهلٍ قال: واللاتِ والعُزى: إني لأحسبُه قريباً مِنا يسمعُ ما نقول ويرى ما نُصنع.
ولكنَّ سحرهُ رانَ ( غطى ) على أبصارِنا..

* * *
- بَيد أنًّ قريشاً لم تنفض يَدها من أمرِ العثورِ على محمدٍ، ولم ينثن عَزمُها عن مُلاحقتهِ؛ فأعلنت في القبائلِ المنتشرةِ على طولِ الطريق بينَ مكة والمدينة: أن من يأتها بِمحمدٍ حياً أو ميتاً فلهُ مائةٌ من كرائمِ الإبلِ.

* * *
- كان سُراقة بنُ مالكٍ المدلجيُّ في نَدِيّ ( مكان اجتماع القوم ) من أنديةِ قومه في ” قديد ” قريباً من مكة.
فإذا برسولٍ من رُسُل قريشٍ يدخل عليهم، ويذيعُ فيهم نبَأ الجائزةِ الكبرى التي بذلتها قريشٌ لمن يأتيها بِمحمدٍ حياً أو ميتاً.
فما كاد سُراقة يسمعُ بالنُّوقِ المائة حتى اشرأبّت ( تطلعت ) إليها أطماعُهُ، واشتدَّ عليها حرصُه.
ولكنه ضبَط نفسهُ، فلم يَفه بكلمةٍ واحدةٍ؛ حتى لا تتحرَك أطماعُ الآخرين.
وقبل أن ينهضَ سُراقة من مجلسِه دخل على النّديِّ رجلٌ من قومه وقال: والله لقد مرَّ بي الآن ثلاثة رجالٍ، وإني لأظنهمْ محمداً وأبا بكر ودليلهما.
فقال سُراقة: بل هم بنو فلانٍ مضوا يبحثونَ عن ناقةٍ لهم أضَلوها ( أضاعوها ).
فقال الرجل: لعلهُم كذلك وسَكتَ….
ثم مكثَ سُراقة قليلاً حتى لا يُثير قيامُه أحدا مِمن في الندي…
فلما دَخلَ القومُ في حديثٍ آخر انسَلّ ( انسحب برفق وخفة ) من بينهم، ومضى خفيفاً مُسرعاً إلى بيته، وأسَرّ ( أمرها سرا ) لِجاريتهِ بأن تخرجَ له فرسه في غفلة من أعين الناس وأن تربطه له في بطن الوادي.
وأمر غلامه بأن يعد له سلاحه , وأن يخرج به من خلف البيوت حتى لا يراه أحد.. وأن يجعله في مكان قريب من الفرس..

* * *
- لبسَ سُراقة لامَتهُ ( درعه ) وتقلدَ سِلاحه، وامتطى صهوَة فرسهِ، وطفق يغذ ( يُسرع في السير ) السيرَ ليُدركَ محمداً قبلَ أن يأخُذه أحدٌ سواه ويظفرَ بجائزةِ قريشٍ.

* * *
- كان سُراقة بن مالكٍ فارساَ من فرسانِ قومه المعدودين، طويل القامة، عظيمَ الهامةِ، بصيراً باقتفاءِ الأثرِ، صبوراً على أهوالِ الطرقِ.
وكان إلى ذلك كله أريباً شاعراً… وكانتْ فرسُه من عتاقِ ( الخيل الأصيل الكريمة ) الخيْل.

* * *
- مَضى سُراقة يطوِي الأرضَ طيّاً، لكنه ما لبثَ أن عثرتْ به فَرسهُ وسقطَ عن صهوتِها ؛ فتشاءمَ من ذلك ، وقال: ما هذا؟!!.
تباً لك من فرسٍ، وعلا ظهرها غيرَ أنه لم يَمضِ بعيداً حتى عَثرتْ به مرةٌ أخرى فازداد تشاؤماً، وهمّ بالرجوع؛ِ فما ردّهُ عم همِّه إلا طمعهُ بالنوقِ المائةِ.

* * *
- لم يبتعِد سُراقة كثيراً عن مكان عثورِ فرسه حتى أبصرَ محمداً وصاحبيه فمد يدَه إلى قوسِهِ، لكن يَدَه جمدتْ في مكانها…
ذلك لأنّه رأى قوائِم فرسِه تسيخُ في الأرضِ ( تغوص في الأرض ) ، والدخانُ يَتصاعدُ من بين يديها، ويُغطي عينيهِ وعينيها…
فدفع الفرسَ فإذا هي قد رَسخَتْ ( ثبتت في الأرض ) في الأرضِ كأنما سمِّرت فيها بمسامير من حديد.
فالتفتَ إلى الرسولِ وصاحبه، وقال بصوتٍ ضارع: يا هذان ادعوا لي ربكما أن يُطلق قوائِم فرسي…
ولكما عليَّ أن أكفَّ عنكما. فدعا له الرسولُ، فأطلق اللهُ لهُ قوائمَ فرسه….
لكن أطماعَه ما لبثت أن تحركتْ من جديد، فدفعَ فرسه نحوهما فساخت قوائمها هذه المرة أكثر من ذي قبل.
فاستغاثت بهما، وقال: إليكما زادي ومتاعي وسلاحي فخُذاه، ولكما علي عهدُ الله أن أرُدَّ عنكما من ورائي من الناس …
فقالا له: لا حاجَة لنا بِزادكَ ومتاعِك، ولكن رُدّ عنا الناس…
ثم دعا له الرسولُ فانطلقتْ فرسُه.
فلما همَّ بالعودةِ، ناداهُم قائلاً: تريثوا أكلمكم، فوالله لا يأتِيكم منّي شيءٌ تكرهونه.
فقالا له: ما تبتغي منا؟!
فقال: والله يا محمدُ إني لأعلمُ أنه سَيظهرُ دينُك، ويَعلو أمرك فعاهِدني إذا أتيتُكَ في ملكك أن تكرمني ، واكتب لي بذلك…
فأمر الرسولُ صلوات الله عليه الصديقَ فكتب له على لوحٍ من عظمٍ، ودفعه إليه..
ولما هم بالانصرافِ قال له النبيُّ عليه الصلاة والسلام: (وكيف بكَ يا سُراقة إذا لبستَ سواريْ كِسرى؟!)
فقال سراقة في دَهشة: كسرى بنُ هرمُز؟!!
فقال: ( نعم…. كسرى بنُ هرمز ).

* * *
- عاد سراقة أدراجه، فوجَدَ الناس قد أقبلوا ينشدون رسولَ الله صلوات الله عليه فقال لهم: ارجعوا ، فقد نَفضتُ الأرض نفضاً بحثاً عنه ( نظرت فيها شبرا شبرا ).
وأنتم لا تجهلوا مبلغَ بصري بالأثر، فرجعُوا.
ثم كتم خبرهُ مع محمدٍ وصاحبه حتى أيقنَ أنهما بَلغا المدينةَ وأصبحَا في مأمنٍ من عداون قريش، عند ذلك أذاعَه فلما سمع أبو جهلٍ بخبر سُراقة مع النبي عليه الصلاة والسلام وموقفه منه ؛ لامه على تخاذلِه وجُبنه وتفويته الفرصة…
فقال يُجيبه على ملامته:
أبا حَكم ، والله لو كنتَ شاهداً لِأمر جوادي إذ تسوخ قوائمهْ
علِمت ولم تَشكك بأنَّ محمداً رسولٌ ببرهانٍ ، فمَن ذا يُقاومه؟!!

* * *
- دارتِ الأيامُ دورتها…
فإذا بمُحمدٍ الذي خرجَ من مكة طريداً شريداً مُستتراً بجُنح الظلامِ يعود إليها سيداً فاتحاً تحفُّ به الألوفُ المؤلفةُ من بيض السيوفِ وسمر الرماح…
وإذا بزعماء قريشٍ الذين ملأوا الأرض عُنجهيةً وغطرسةً ( تكبرا وتجبرا وتطاولا ) يُقبلونَ عليه خائفين واجفين يسألونه الرأفة ويقولون: ماذا عسَاكَ تصنع بنا؟!!
فيقول لهم في سماحةِ الأنبياء: ( اذهبُوا فأنتمُ الطلقاء… )
عند ذلك أعَدَّ سراقة بن مالكٍ راحلتهُ، ومضى إلى رسول الله ليعلنَ إسلامه بين يديه ومعه العهد الذي كتبه له قبل عشرِ سنواتٍ.
قال سراقة: لقد أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم بالجِعرانةِ ( مكان بين مكة والطائف وهو إلى مكة أقرب )، فدخلتُ في كتيبتهِ من الأنصارِ، فجعلوا يقرعونني ( يضربونني ) بِكعوبِ الرماح ( مؤخرت الرماح ) ويقولون: إليكَ، إليكَ ( ابتعد، ابتعد )، ماذا تريد؟!
فما زلتُ أشق صفوفهم حتى غدوتَ قريباً من رسول الله، وهو على ناقته فرفعتُ يدي بالكتاب وقلت: يا رسول الله…
أنا سراقة بن مالكٍ،… وهذا كتابُك لي…
فقال الرسولُ عليه الصلاة والسلام: ( أدنُ مني يا سراقة أدنُ… هذا يومُ وفاءٍ وبرٍّ )
فأقبلتُ عليه وأعلنت إسلامي بين يديه.
ونلتُ من خيره وبرِّه….

* * *
- لم يمضِ على لقاءِ سراقة بن مالك لرسول الله صلى الله عليه وسلم غير بضعةِ أشهرٍ حتى اختار الله نبيه إلى جِوارِه….
فحزنَ عليه سُراقة أشد الحزن، وجعلَ يتراءى له ذلك اليومُ الذي همَّ فيه بقتله من أجل مائة ناقةٍ، وكيف أن نوق الدنيا كلها قد أصبحت اليوم لا تساوي عنده قلامةً ( القطعة الصغيرة التي تسقط في الظفر ) من ُظفر النبيِّ.
وجعل يُردد قولته له: ( كيف بِك يا سراقة إذا لِبستَ سواري كسرى؟! )
دون أن يخامرَه شك في أنه سيلبسُهما.

* * *
- ثم دارتِ الأيام دورتها كرةً أخرى وآل أمرُ المسلمين إلى الفاروقِ رضوانُ الله عليه.
وهبت جيوشُ المسلمين في عهدِه المبارك على مملكة فارس كما يهُبُّ الإعصار…
فطفقت تدكُّ الحصونَ، وتهزم الجيوشَ، وتهزُّ العروش وتحرز الغنائم حتى أدالَ ( أزالها وحولها إلى غيرهم ) الله يديها دَولة الأكاسرَة…
وفي ذاتِ يومٍ من أواخرِ أيامِ خلافة عمر قدمَ على المدينة رسُل سعدِ بن أبي وقاصٍ يبشرون خليفة المسلمين بالفَتح….
ويحملونَ إلى بيتِ مالِ المسلمين خمُس الفيءِ الذي غنِمه الغزاةُ في سبيل الله.
فلما وُضعتِ الغنائمُ بين يديْ عُمر نظرَ إليها في دهشةٍ….
فقد كان فيها تاجُ كِسرى المُرصعُ بالدُّرِّ….
وثيابه المنسوجة بخيوطِ الذهبِ…
ووشاحُه ( قلادة من نسيج يرصع بالجوهر ويشد بين الكتف وأسفل الظهر ) المنظومُ بالجوهر…
وسواراه اللذان لم ترَ العينُ مثلهما قط…
وما لا حَصرَ له من النفائِس الأخرى…
فجعل عمر يُقلبُ هذا الكنز الثمين بقضيبٍ كان في يده..
ثم التفت إلى من حَوله وقال: إن قوماً أدّوا هذا لأمناءُ…
فقال له عليُّ بن أبي طالب وكان حينئذٍ حاضراً: إنك عففتَ فعفتْ رعيتك يا أمير المؤمنين..
ولو رتعتَ لرتعوا ( لو أكلت لأكلوا )….
وهنا دعا الفاروقُ رضوان اللهِ عليه سراقة بن مالكٍ، فألبسهُ قميصَ كسرَى وسراويله وقِباءه ( الثوب ) وخُفّيه …
وقلدَه سيفه ومنطقَته ( حزام يشد على الوسط )…
ووضع على رأسِه تاجَه…
وألَبسهُ سواريهِ…. نعم سِواريه…
عند ذلك هتفَ المسلمونَ: الله أكبر… الله أكبر…. الله أكبر…
ثم التفت عمرُ إلى سراقة وقال: بَخٍ بَخٍ ( كلمة تقال عند التعجب من شيء أو الفخر به )….
أعَيرابيٌ ( تصغير أعرابي ) من بني مدلجٍ على رأسِه تاج كسرى… وفي يديه سوراه..!!
ثم رفعَ رأسَه إلى السماء وقال: اللهمَّ إنك منعتَ هذا المالَ رسولك وكان أحب إليك مني وأكرَم عليك…..
ومنعتهُ أبا بكرٍ وكان أحبَّ إليك منِّي وأكرم عليك…
وأعطيتنيه، فأعوذُ بك أن تكونَ قد أعطيتنيه لِتمكرَ بي ( لتعاقبني )….
ثم لم يقمْ من مجلسِه حتى قسمَه بينَ المسلمين.

**********************************************

 

*لما اشْتكى ( مرض وتألم ) رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدَ عَودتهِ من حجَّةِ الوداعِ، وطارتْ الأخبارُ في أرجاءِ الجزيرةِ بمرضهِ، ارتدَّ عن الإسلام الأسودُ العنسيُّ في اليمنِ، ومُسيلمةُ الكذابُ في اليمامَةِ، وطليحة الأسَديُّ في بلادِ بني أسدَ، وزَعمَ الثلاثة الكذابون أنهم أنبياءُ أرسِلَ كلٌ مِنهمْ إلى قومِه كما أرسِل محمدُ بنُ عبدِ الله إلى قُريشٍ.
* * *
- كان الأسودُ العنسِيُّ كاهناً مشعوذاً ( الذي يستعمل الشعوذة، وهي خفة في اليد وأعمال كالسحر تري الشيء للعين بغير ما هو عليه ) أسودَ النفسِ مُستطيرَ الشرِّ، شديدَ القوةِ، ضخمَ الهيكلِ.
وكان إلى ذلك فصيحاً يَخلبُ الألبابَ ببيانِه، داهيةً قادراً على اللعِبِ بعقولِ العامَّة بأباطيلهِ، وإغراءِ الخاصةِ بالمالِ والجاهِ والمناصب.
وكان لا يظهرُ للناسِ إلا مُقنعاً لإحاطةِ نفسهِ بهالةٍ من الغُموضِ والهيبة.

* * *
- وكان النفوذ في اليمنِ إذ ذاكَ ” للأبناءِ “، وعلى رأسِهم فيروزُ الديلميُّ صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
و” الأبناءُ ” اسمٌ يطلقُ على جماعةٍ من الناسِ آباؤهم من الفُرسِ الذين نزحوا من بِلادهم إلى اليمن، وأمهاتهم من العرب.
وقد كان كبيرُهم ” باذانُ ” عندَ ظهور الإسلامِ ملكاً على اليمن من قبلِ كسرى عظيمِ الفُرسِ، فلما استبانَ له صدقُ الرسولِ وسموُّ دعوتهِ خلعَ طاعةَ كِسرى ودخلَ هو وقومُه في دين الله، فأقرهُ النبيُّ على مُلكه، وظل فيه إلى أن مات قُبيل ظهورِ الأسود العنسيِّ بزمنٍ يسيرٍ.

* * *
- وكان أولَ من استجابَ لدعوةِ الأسودِ العنسيِّ قومُه بنو مذحجٍ، فوثبَ بهم على صنعَاءَ، وقتَل واليها ” شهرَ بنَ باذانَ ” وتزوج من امرأته ” آذادَ “.
ثم وثبَ من صنعاءَ على المناطقِ الأخرى، فَجعَلتْ تتهاوى تحتَ ضرباته بسرعةٍ مذهلةٍ حتى دانت له البلادُ الواقعة بينَ حضرموتَ إلى الطائفِ، وما بين البحرينِ والأحْساءِ إلى عدن…

* * *
- وكان ممَّا ساعدَ الأسودَ العنسيَّ على خداعِ الناسِ واستِمالتهم إليه دهاؤه الذي لا حُدودَ له، فقد زعمَ لأتباعهِ أنَّ له ملكاً ينزلُ عليه بالوَحيِ وينبِّئه بالمغيباتِ….
وكان يُؤكدُ هذا الزعمَ بعُيونهِ ( الجواسيس ) الذين بَثهم في كل مكانٍ، لِيقفوا على أخبارِ الناسِ، ويَنفُذوا إلى أسرارهم، ويَتعرفوا إلى مُشكلاتِهم ويكشِفُوا عمَّا يَتلجلج في صُدورِهم من الأماني والآمال، ثم يأتوه بها سِراً.
فكان يُواجهُ كلَّ ذي حاجةٍ بحاجتهِ، ويبدأ كل صاحبِ مُشكلةٍ بمشكلتهِ، ويأتي لأتباعهِ من العجائبِ والغرائبِ ما يُذهلُ عُقولهُم ويُحيِّر أفهامَهم…. حتى غلظَ ( اشتد وقوي ) أمرُه، واستطارَت ( ذاعت وعمت وطارت في الآفاق ) دعوَتهُ كما تسيِطرُ النارُ المُستعِرةُ في الهشِيمِ اليابسِ.

* * *
- ما كادَت تبلغُ النبيَّ صلوات الله عليه أنباءُ ردَّةِ الأسودِ العنسيِّ ووثوبهِ على اليمنِ حتى سَيرَّ نحو عشرةٍ من أصحابهِ برسائل إلى من يتوسَّمُ ( يأمل ويتوقع ) فيهم الخير من أصحابِ السابقةِ في اليمن… يَحُضهمْ فيها على مُواجهةِ هذه الفتنةِ العمياءِ بالإيمانِ والحزمِ، ويأمُرهُم بالتّخلصِ من الأسودِ العنسيِّ بأيِّ وسيلة….
فما من أحدٍ بلغتهُ رسالة النبيِّ إلا لبَّى دعوتهَ، وهبَّ لإنفاذِ أمرهِ.
وكان أسبقَ الناسِ استجابةً لندائهِ بطلُ قصتِنا فَيروزُ الديلميُّ ومن معهُ من ” الأبناء “.
فلنترُك الكلامَ له ليرويَ لنا قِصتهُ الفذة الرائِعة.
- قال فيروز: لم نشك – أنا ومن معي من ” الأبناء ” لحظةً في دينِ الله، ولا وقعَ في قلبِ أيّ منا تَصديقٌ لعدوِّ الله.
وكنا نَتحيّنُ الفرصَ للوُثوبِ عليهِ والتخلصِ منهُ بكلِّ سبيل.
فلما وَردتْ علينا وعلى أصحابِ السابقةِ من المؤمنين كُتُبُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تقوى بعضُنا ببعضٍ وهبَّ كل مِنا يعملُ في جهتهِ…

* * *
- وكان الأسودُ العَنسيُّ قد داخلهُ الغُرورُ والكِبرُ لما أصابَ من نجاحٍ، فَتاهَ ( تكبر ) على قائدِ جيشهِ قيسِ بنِ عبدِ يَغوثَ وتجبرَ، وتغيرَّ في معاملتهِ له حتى صارَ قيسٌ لا يأمنُ على نفسهِ من بطشهِ.
فمضيتُ إليه وأنا وابنُ عمي ” داذوية ” وأبلغناهُ رسالةَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، ودعوناهُ لأن يتغدَّى بالرجُل قبلَ أن يتعشى به.
فانشرح لِدعوتنا صدرهُ، وكشفَ لنا عن سِرِّه، ورآنا كأننا هبَطنا عليه من السماء.
فتَعاهدنا نَحنُ الثلاثة على أن نتَصدى لِلمُرتدِّ الكذابِ من الداخلِ بينما يتصدى له إخواننا الآخرون من الخارج.
واستقر رأينا على أن نشرك معنا ابنة عمي “آذار” التي تزوج بها الأسود العنسيّ بعد قتلِ زوجها ” شهرِ بنِ باذان “.

* * *
- مَضيتُ إلى قصرِ الأسودِ العنسيّ والتقيتُ بابنةِ عمي ” آذاد” وقلت لها: يا بنت العمِّ، لقد عرفتِ ما أنزلهُ هذا الرجلُ بكِ وبنا من الشرِّ والضرِّ….
فلقد قتَل زوجكِ، وفضحَ نساءَ قومكِ، وأهلك كثيراً من رجالِهم، وانتزع الأمرَ ( انتزع الولاية والسلطان ) من أيديهم.
وهذا كتابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلينا خاصةً وإلى أهلِ اليمنِ عامَّة يدعُونا فيه إلى القضَاء على هذِه الفتنةِ.
فهل لك أن تُعينينا عليه؟!
فقالت: أُعِينكم على أيِّ شيءٍ؟.
فقلت: على إخراجه ِ…
فقلت: بَل على قتلهِ…
فقلت: والله ما قصدتُ غير ذلكَ؛ ولكنِّي خشيتُ أن أواجهكِ به.
فقالت: والذي بعثَ محمداً بالحقّ بشيراً ونذيراً ما ارتبتُ في ديني طرفةَ عينٍ، وما خلقَ الله رجلاَ أبغضَ إليَّ من هذا الشيطان…
ووالله ما عَلمتهُ مُنذ رأيتهُ إلا فاجراً، أثيماً، لا يرعَى حقاً ولا ينتهِي عن منكرٍ.
فقلت: وكيف لنا بِقتلهِ؟!.
فقالت: إنه مُتحرزٌ مُتحرّسٌ ( محتاط متيقظ ) لنفسهِ، وليس في القصرِ مكانٌ إلا والحرسُ مُحيطون به غير هذه الحجرةِ النائيةِ المهجورة ِ؛ فإنَّ ظهْرَها إلى مكانِ كذا وكذا على البريَّةِ، فإذا أمسيتُم فانقبُوها في عَتمِة الليلِ، وستجدون في داخِلها السلاحَ والمصباح.
وستجدُونني في انِتظارِكم، ثم ادخُلوا عليه واقتلوه…
فقلت: ولكنَّ نقبَ ( حفر فتحة في الجدار ) حُجرةٍ في مثلِ هذا القصرِ ليسَ بالأمرِ الهينِ…
فقد يمرُّ بنا إنسانٌ فيهتفُ ( ينادي ويصرخ ) ويَستصرخ الحرسَ… فيكونُ ما لا تحمدُ عقباه…
فقالت: ما عَدوتَ الحقَّ ( ما جاوزته ولا ابتعدت عنه ) ولكم عِندي رأيٌ.
قلت: ما هو؟!
قالت: ترسِلُ غداً رجلاً تأتمنهُ على هيئةِ عاملٍ، فآمُرهُ أنا بِنقبِ الحُجرةِ من الداخلِ حتى لا يبقى من النقبِ إلا شيءٌ يسيرٌ. ثم تتمُّونه أنتم في الليلِ من الخارجِ بأيسرِ الجهد.
فقلت: نِعمَ الرأي ما رأيتِ.
ثم انصرفُ وأخبرتُ صاحبيَّ بما اتفقنا عليهِ فبارَكوهُ، ومضينا من ساعتنَا نُعدُّ للأمرِ عُدته.
ثم أفضينا ( أعلمنا وأخبرنا ) إلى خاصَّة المؤمنين من أنصارنا بكلمةِ السرِّ، ودعوناهُم للتأهبِ، وجَعلنا مَوعدنَا معهُم فجرَ اليومِ التالي.
ولما جنَّ ( أظلم وستر الكون ) علينَا الليلُ، وأزِفَ ( حان ) الوقتُ المحدّدُ مَضيتُ مع صاحِبيّ إلى مكانِ النقبِ فكشفنا عنهُ، وولجنًا ( دخلنا ) إلى داخلِ الحُجرة وتناولنا السلاحَ وأضَأنا المصباحَ ومَضينا نحوَ مقصورةِ عدوِّ الله، فإذا ابنةُ عمي واقفة ببابها، فأشارَت إلي فدخلتُ عليه؛ فإذا هو نائمٌ يغط ( ينخر ) في نومهِ.
فأهوَيتُ بالشفرةِ على عُنقهِ؛ فخارَ خوارَ الثورِ( صاح صياح الثور)، واضطربَ اضطراب البعير المذبوحِ.
فلما سمعَ الحَرسُ خُواره؛ أقبلوا على المقصورةِ وقالوا: ما هذا؟!
فقالت لهم ابنةُ عمي: انصرفوا راشِدين، فإنَّ نبي اللهِ يوحى إليه…
فانصرفوا…..

* * *
- بقينَا في القصرِ حتى طلعَ الفجرُ، فَوقفتُ على سورٍ من أسوارهِ وهَتفتُ: الله أكبر، الله أكبر، ومَضيتُ في الأذانِ حتى قلتُ: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وأشهدُ أن الأسودَ العنسيّ كذاب….
وكانت هذه كلمةَ السرِّ.
فأقبلَ المُسلمونَ على القصرِ من كل جانبٍ، وهبَّ الحَرسُ مذعورينَ لما سَمعوا الأذان وتلاحمَ الفريقان بعضُهم ببعضٍ.
فألقيتُ إليهم برأسِ الأسودِ من فوقِ أسوارِ القصرِ…
فلما رآهُ أنصارُه وَهَنوا ( ضعفوا ) وذهبت ريحُهم ( زالت قوتهم )، ولما أبصَرهُ المؤمنون كبَّرُوا وكروا على عدوِّهم…. وقضيِ الأمرُ قبل طلوعِ الشمسِ.

* * *
- ولما أسفَرَ النهارُ ( طلع النهار ) بعثنا بِكتابٍ إلى رسولِ الله نُبشره بِمصرع عدو الله، فلما بلغ المُبشرونَ المدينة وجدُوا النبي صلواتُ الله عليه قد فارقَ الحياة لليلتِه ( في تلك الليلة ).
غير أنَّهم ما لبِثوا أن عِلموا أن الوحي بَشرَه بمقتلِ الأسودِ العنسي في الليلةِ التي قتل فيها…
فقال عليه الصلاةُ والسلامُ لأصحابِه: ( قتِلَ الأسودُ العنسي البارحَة… قتله رجلٌ مباركٌ من أهلِ بيتٍ مُباركين…).
فقيلَ له: من هو يا رسولُ الله؟
فقال: (فَيروز…. فازَ فيْروزُ).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقاً

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. The Adventure Journal Theme.

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: